السيد المرعشي
145
شرح إحقاق الحق
كثرة بكائه عليه السلام ذكر كثرة بكائه عليه السلام جماعة من أعلام العامة في كتبهم : فمنهم الحافظ ابن عساكر في " تاريخ مدينة دمشق " ( ج 12 ص 41 ط دار البشير بدمشق ) قال : أخبرنا أبو سعد بن البغدادي ، أنا أبو عمرو بن مندة ، أنبأ الحسن بن محمد بن أحمد ، أنا أبو الحسن البناني ، أنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدثني الحسين بن عبد الرحمن ، عن أبي حمزة محمد بن يعقوب ، عن جعفر بن محمد قال : سئل علي بن حسين عن كثرة بكائه ؟ فقال : لا تلوموني ، فإن يعقوب عليه السلام فقد سبطا من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه من الحزن ولم يعلم أنه مات ، وقد رأيت أبي وأربعة عشر رجلا من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة ، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا 1 ) .
--> 1 ) قال الفاضل المعاصر الهادي حمو في " أضواء على الشيعة " ص 125 ط دار التركي : وهناك ظاهرتان بارزتان في إمامة زين العابدين أولهما المذهب السلوكي الذي أراده ، ولم يتخذ له طريقة الوعظ اللفظي أو الارشاد والاصلاح الكلامي من على المنابر ، وما كانت السيادة الأموية إذ ذاك تبيح لأبناء آل البيت أن يجهروا بأصواتهم على المنابر من جديد ، وإنما اتخذ طريقة التوجيه الروحي والعمل القلبي أو التأثير النفسي : طريقة الابتهال والدعاء الذي وضع له صحيفته المشهورة : " الصحيفة السجادية " . وقد ضمنها 54 دعاء ينبث في عبادات الصلاة والصيام والحج وفي الاستعاذة والاستخارة ومواقف الملمات والتوبة . . . والظاهرية الثانية : سنة البكاء التي انتهجها لشيعته ، فهو قد بكى أباه الحسين ومن كان معه من شهداء كربلاء ، بكى وبكى كما بكى نوح قومه المقضي عليهم بالطوفان ، وكما بكى يعقوب ابنه يوسف المغرر به ، وكما بكى يحيى خوف نار جهنم ، وكما بكت فاطمة النبي أباها بعد وفاته . . . بل كما بكى آدم غب ارتكاب المعصية . ومما ينسب إليه في سنة البكاء هذه قوله : أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين حتى تسيل على خديه بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا ، وأيما مؤمن دمعت عيناه على خديه فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدنيا بوأه الله منزلة صدق ، وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خديه من فرط ما أوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وأمنه يوم القيامة من عذاب النار . نعم إن عصر زين العابدين كان عصر اللوعة الغضة على دماء الحسين والندم على ما فات من تقاعس على نصرة آل البيت ، عصر حركة التوابين بقيادة سليمان بن صرد للأخذ بالثأر ، عصر الزفرات التي عبر عنها الشاعر بقوله : نحن بني المصطفى ذوو غصص * يجرعها في الأنام كاظمها عظيمة في الأيام محنتنا * أولنا مبتلى وآخرنا يفرح هذا الورى بعيدهم * ونحن أعيادنا مآتمنا والناس في الأمن والسرور وما * يأمن طول الزمان خائفنا وما خصصنا به من الشرف * الطائل في الأنام آفتنا يحكم فينا والحكم لنا * لا لجاحدنا حقنا وغاصبنا وقال الفاضل المعاصر عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه " أئمة الفقه التسعة " ج 1 ص 23 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب " قال : وقد اختار علي زين العابدين بن الحسين أن يعلم الناس وأن يفقههم بأمور دينهم ، وأخذ أولاده بالنظر في علوم الدين ، وأعدهم ليكونوا من بعده أئمة صالحين . وقد كان علي زين العابدين هو أصغر آل البيت في كربلاء . . . أنقذه مرضه واستماتة السيدة زينب دفاعا عنه ، وكان القتلة قد ذبحوا آل البيت من الذكور لم يرحموا أحدا حتى الأطفال ، وشردوا نساء رسول الله في الفلوات . . ثم ساقوهن في موكب وحشي من كربلاء إلى دمشق يتقدمهن رأس سيد الشهداء على أسن حربة . كل تلك الذكريات الفاجعة ظلت تعيش في أعماق علي زين العابدين ، وصورة أبيه لا تفارق عينيه . . . عبد صالح خرج يطلب العدل للناس ويناضل لاسترداد حقوقهم وحريتهم ، وبايعوه على أن ينصروه ليسترد لهم شرفهم وكبرياءهم وإذا بهم يخذلونه ويسلمونه وآل بيته إلى ظالميهم ! من أجل ذلك رفض علي زين العابدين طلب شيعة آل البيت في العراق أن ينهض من المدينة كما نهض أبوه ، وصرف زين العابدين عنه هؤلاء أولئك الذين استنهضوه فقد وعى ما حدث لأبيه في العراق . . . وظل يوصي ولديه محمد الباقر وزيدا ألا ينخدعا باستنهاض أهل العراق ، ففي مأساة الحسين عبرة !